الرئيسية / مقالات / الاستنزاف”.. استراتيجية الضفة لمجابهة الاحتلال

الاستنزاف”.. استراتيجية الضفة لمجابهة الاحتلال

الكاتب: خلدون مظلوم

تخوض المقاومة الفلسطينية المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي منذ قرابة الـ 100 عام، وتحديدًا عقب إصدار وعد بلفور؛ الذي مرّ على صدوره يوم 02 تشرين ثاني (نوفمبر) الجاري 101 سنة، حيث تعرض الشعب لمجازر ومذابح وجرائم عنصرية طالت غالبية فئات المجتمع واستهدفت ترحيله من أرض فلسطين التاريخية تمهيدًا لإقامة كيان الاحتلال، وفق للنظرية الصهيونية “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”؛ وهو ما فشلت جُلّ آليات وخطط العصابات الصهيونية بتحقيقه على مدار 70 عامًا، أي منذ قيام دولة الاحتلال.

ولكن الوضع الذي تمر به المقاومة الفلسطينية الآن بات أكثر تعقيدًا مما كان عليه في سني المواجهة سابقًا؛ لا سيما إذا ما أخذنا في الحسبان التخلي عن دعم القضية الفلسطينية من قبل عديد الأنظمة العربية والإسلامية الرسمية، في وقتنا الراهن، والهرولة نحو “تطبيع” العلاقات مع الاحتلال، وليس آخرها بعض الأنظمة في دول الخليج العربي. وهو ما أدى إلى حصر الدول والشعوب التي بقيت داعمة لفلسطين ما أدى إلى محاربتها داخليًا وخارجيًا، عربيًا ودوليًا.

ووسط كل هذا ما زال في القصة بقية، إذ تظهر بارقة أمل جديدة مع كل عمل مقاوم تنفذه المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، في ظل ما تتعرض له من حرب شاملة؛ داخلية عبر التنسيق الأمني المتواصل منذ قرابة الـ 25 عامًا، وخارجية من قبل أذرع الاحتلال المختلفة داخل وخارج فلسطين المحتلة.

وبالنظر إلى الجولات التي تخوضها المقاومة في الضفة والقدس المحتلتيْن، فإن هذه المرحلة يُطلق عليها في استراتيجيات المواجهة والحروب “مرحلة الاستنزاف”؛ والتي تنقسم إلى عدة مراحل، أهمها؛ مرحلة الصمود، الدفاع النشط، قبل أن تتطور إلى “حرب الاستنزاف” في سبيل وصول المواجهة إلى ذروتها وإيقاع الألم والخسائر في صفوف العدو.

وحرب الاستنزاف؛ مفهوم استراتيجي يعني أنه لكي يتم الانتصار في حرب ما، يجب إضعاف العدو إلى حد الانهيار عن طريق إحداث الخسائر البشرية أو العسكرية في صفوفه. حيث تتحقق الانتصارات الحاسمة من خلال المناورات، وتركيز القوة، والمفاجأة، وغير ذلك (…)، وهو ما باتت المقاومة الفلسطينية تُتقنه سواء في الضفة والقدس (عبر العمليات الفردية) أو في قطاع غزة (عبر مسيرات العودة وكسر الحصار وقبلها جولات المواجهة المختلفة).

والاستنزاف حربٌ نفسيَّة تهدف إلى إرباك الرُّوح المعنويَّة للخصم وإنقاصها، وتطال جبهة القتال والجبهة الداخلية والرأي العام ووسائل الإعلام، ولا تصل إلى نقطة حسم.

ومن الناحية التاريخية، فإن طرق الاستنزاف تتم عادة بعد أن يتضح الأمر بأن الطرق الأخرى تؤدي للفشل أو أنها غير ممكنة عمليًا. وأبرز مثال على تلك الاستراتيجية، حرب فيتنام، إذا أن الاستراتيجية الأمريكية كانت تهدف لإضعاف الخصم إلى أن يفقد قدرته على المواصلة في الحرب.

وفي التاريخ العربي، فإن المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية (وإن كانت في معظمها فردية وغير منظمة)، فهي تُعيد إلى أذهاننا المواجهة المسلحة التي وقعت بين جمهورية مصر العربية برئاسة جمال عبد الناصر، ودولة الاحتلال الإسرائيلي؛ واستمرت من يونيو (حزيران) 1967- آب (أغسطس) 1970. واستهدفت تكبيد “إسرائيل” أكبر قدر من الخسائر في الأفراد والمعدات، لإقناعها بأنه لا بُد من دفع الثمن غاليًا للبقاء في سيناء والسويس، وفي نفس الوقت تطعيم الجيش المصري عمليًا ومعنويًا للمعركة، خاصة بعد الهزيمة التي مُني بها العرب في حرب الأيام الستة.

وبالعودة إلى المقاومة في الضفة، فقد أوقعت في صفوف الاحتلال؛ خلال 10 شهور منذ بداية العام الجاري، خسائر في الأرواح (11 قتيلًا إسرائيليًا و159 جريحًا)، بالإضافة إلى خسائر اقتصادية، تجلّت في تراجع السياحة (لفقدان الأمن)، وأخرى عسكرية تمثلت في فقدان جيش الاحتلال لـصفة لازمته كثيرًا (فقدان قوة الردع) وظهور عجزه بما يملك من تكنولوجيا عسكرية وأمنية متطورة.

وقد رصدت تقارير ومعطيات تنفيذ المقاومة في الضفة لـ 1367 عملًا مقاومًا؛ 40 عملية إطلاق نار، 33 طعن، 15 دهس، بالإضافة لـ 53 عملية زرع وإلقاء عبوات ناسفة و262 هجومًا بالزجاجات الحارقة.

وقد بلغت إجمالي أعمال المقاومة منذ بداية العام الجاري؛ قرابة الـ 1880 نقطة تماس، 1620 عملية رشق حجارة تجاه أهداف استيطانية، 390 عملية صدّ لهجمات نفذها مستوطنون يهود، 163 تظاهرة في نقاط التماس والجدار الاستيطاني.

كما أن الأرقام والإحصائيات لـ “حرب الاستنزاف” التي تخوضها مقاومة الضفة، تضع حجر أساس المشروع الصهيوني (الاستيطان) على المحك، لا سيما وأن توسع المشروع الاستيطاني في الضفة سيزيد من مأزق الاحتلال الأمني في المواجهة الأمنية مع المقاومة، سواء في الضفة أو غزة، وذلك أن التوسع يعني الحاجة للحماية، والاستنزاف سيُمسي مكلفًا لحكومات الاحتلال التي تقتطع ميزانيات من وزارتها المختلفة (وإن كانت مدعومة بشكل واسع سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا من أمريكا وغيرها من الأذناب) وسيضع الاحتلال بكافة أذرعه أمام مأزق حقيقي.

وقد شكّلت على سبيل المثال الطائرات الورقية والبالونات الحارقة مأزقًا حقيقيًا للاحتلال في قطاع غزة (أو على الحدود الجنوبية وفق المسمى الإسرائيلي)، لا سيما وأن المستوطنين باتوا يفكروا مليًا في الرحيل من مستوطنات “غلاف غزة”.

واعترف الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي يوآف غلبر، بأن الانتفاضة الفلسطينية (لا سيما الأولى والثانية) والمواجهات في منطقة الحدود مع قطاع غزة (مسيرات العودة وكسر الحصار) تندرج في إطار حرب الاستنزاف، في إشارةٍ بليغةٍ إلى أن خوض حروبٍ من هذا النوع أو عدم خوضها غير مرهون بقرار الأركان العامة في جيش الاحتلال.

ولفت غلبر؛ وهو ضابط في جيش الاحتلال، إلى أن أول قرارٍ اتخذته هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، بعد انتهاء حرب الاستنزاف في مصر، هو عدم خوض أي حربٍ شبيهةٍ بها بعدها.

ومن الجدير بالذكر أن اتسام عمليات المقاومة بـ “الفردية” في الضفة الغربية، والتي تقوم على تخطيط محكم يستهدف عقيدة الاحتلال الأمنية؛ وخير مثال خلية “أحمد جرار” و”خلية إيتمار” وليس أخيرًا.

شاهد أيضاً

حوار النار في غزة

الكاتب: الأسير عبدالناصر عيسى لم تكن العملية الفاشلة للقوات الخاصة الإسرائيلية في شرق خانيونس التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *