الرئيسية / مقالات / قبل لومِ من لم يطق صبرا.. لوموا من جعل البلاد جحيما على أهلها!

قبل لومِ من لم يطق صبرا.. لوموا من جعل البلاد جحيما على أهلها!

كتب قاسم ناصر الشاعر ,,,

قبل أي نقاش لا بد أن ننطلق من قناعة أن لا أحد وصي على الآخر. لست أنا من يملي عليك ما تفعل، ولا أنت ستقرر عني ما هو أفضل لي. كل شخص يمر بظروف وتحيطه محددات تختلف عن غيره قد لا تعلم أنت بها. فلندع عن أنفسنا فكرة الوصاية ابتداءً.
– لا نريد الوصاية لسبب آخر أيضا، لأن الجبر لم ينتج يوماً ملاكاً، والإكراه على الصبر والمقاومة لن يخلق مناضلا. ما لم يكن قرار الصمود نابعا من الذات فلا يُعوّل عليه.
– نحن لا نملك إلا أن نقول ما نؤمن به، بلا تخوين، بلا تهكم -أو بأقل حد ممكن-. فلا نريد أن نصبح “فظّين”، فينفض الناس من حولنا لا من البلد!
الآن، عن “ترك البلد”:
– أحب أن أفرق بين الاغتراب والهجرة: الأول من دخل بلاداً غير بلاده -طوعاً أو كرهاً- وظل محافظا على هويته، غريبا حيثما كان. مهما طال به الزمان قرر أن يبقى “مغتربا”. هذا يختلف عمن ترك أرضه مهاجراً باحثا عن حياة أخرى “أفضل” ناسيا كل عاداته ومبادئه وقيمه، ولم تعد تعني له بلاده الأم شيئا. الأول سيظل وطنيا ولو حاز كل جوازات الدنيا واغترب طوال العمر.
– لتكون “وطنيا” لا يُشترط أن تكون في مكان ما أو منصب معين. من قرر خدمة البلد يستطيع فعل ذلك من أي مكان. ومن قرر الإفساد لن يمنعه وجوده في وطنه من ذلك.
– صحيح أننا نقدر على خدمة بلادنا وأهلنا حيثما ارتحلنا، لكني مؤمن أن خدمتك من داخل البلد ولو بِمِعشار قدرتك تفوق خدمتك وأنت خارجها ولو بذلت كل جهدك هناك.
– مهما حاولت أن تقدم لبلادك من خارجها، ستجد نفسك محاطا بكلفات مادية وشعورية واجتماعية تحد من قدراتك وتستهلك وقتك وجهدك وفكرك. لن تفهم ذلك حتى تجربه، تكلفة الغربة ليست رخيصة وفي الأغلب حتى “تندمج” لن يبقى هناك وقت لأي شيء آخر سوى خدمة المنظومة التي دخلتها.
– مهما حاولت خدمة البلاد ستضطر للعمل من داخل منظومات كانت مساهمة في خلق مشكلتك. ستضطر أن تكون “وطنيا بالقانون”. دعوا عنكم أوهامكم، أينما كنتم هناك حدود لما تستطيعون قوله وفعله وتقديمه. وفي الغالب ستكون هناك مصلحة لدولكم المستضيفة في أي شيء تقدمونه لبلدكم الأم. فلا تبالغوا في تقدير خدماتكم.
– عودةً لمن قرر الاغتراب، لو قررت الخروج فاحرص أن يكون قرارا مؤقتا. ضع هدفا لخروجك، غاية تريد تحقيقها من اغترابك. هدفا واضحا محدودا بزمان بمجرد انتهائه تعود. بغير ذلك ستذوب حيثما ارتحلت. -بالمناسبة: “أحسّن وضعي”، “أجمع شوية مصاري” كلها مش أهداف حقيقية بقدر ما هي تبريرية.-
– أقدّر صعوبة العودة بعد سنين طويلة من الاغتراب. بعد تعودك على منظومات قائمة ثابتة ودورك فيها بات واضحا وتقدر أن تعمل في مجالك بكل سهولة، من الصعب بعد ذلك أن تعود لمنظومات مهترئة أو فعليا لا نظام، وفساد ومحسوبيات. وستضطر لبذل جهود كبيرة جلّها في غير عملك المباشر. ومعظم ما تعلمته او تدربت عليه لن تقدر على تطبيقه. لكن كما قلت لك، لو قدمت عُشر خبرتك في بلدك الأم ستخدمها أضعافا مضاعفة من خدمتك وأنت خارجها. جوهر التغيير والصراع هو الوطن، مكاناً.
– كفلسطينيين، لنا همّ مضاعف: أن صراعنا صراع سكان إلى جانب كل شيء آخر. خروجك يعني خسران عائلة كاملة. فإن لم تكن واثقا أنك ستقدم شيئا بخروجك، فبقاؤك -ولو زيادة عدد- فيه خدمة لوطنك.
وأخيرا،،
– قبل أن نلوم من لم يطق صبرا وقرر الخروج، يجب أن نلوم من جعل البلاد جحيما على أهلها. الاحتلال جزء لا شك، لكن هذه الظاهرة ليست فلسطينية وحسب فلا يُلام الاحتلال في كل جزئياتها. كثر احتملوا الاحتلال وغطرسته وتضييقه، لكن ظلم الإخوة هو ما لم يقدر عليه الناس صبرا. ولا يغيظك أكثر من أن ترى من كانوا جزءا من منظومة الجحيم يتحدثون عن مساوئ الهجرة ويلومون من ترك البلد، وأمثالهم من جعل البلاد جحيما. تحدثوا عمّن نهب البلد وواجهوهم، قبل أن تستقووا على المستضعَفين الذين وجدوا الوطن منهوبا ولم يترك لهم فيه “السادة” مكانا. دافع عن حقك أخيك في هذا الوطن، قبل أن تطالبه بالوطنية.

شاهد أيضاً

اعتقالات الاحتلال لنشطاء فتح في القدس: حقيقة أم مسرحية؟

الكاتب | ياسين عز الدين شنت سلطات الاحتلال حملة اعتقالات في صفوف نشطاء ومسؤولين في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *